مدونة رحيل غرايبة

السبت,تشرين الأول 11, 2008


العالم بحاجة إلى نظام اقتصادي جديد

الأزمة الاقتصادية المتفجرة في أمريكا أولاً، سوف تجتاح معظم بقاع العالم، وسوف تنتقل العدوى من السوق المالي الأمريكي لتصيب اغلب الأسواق المالية العالمية، وذلك ببساطة أن الاقتصاد الأمريكي هو الذي يقود الاقتصاد العالمي، فضلا عن العولمة التي حولت العالم كله إلى سوق واحد حر بعد زوال الحواجز الجمركية وأنظمة الحماية التي تحول دون انسياب السلع من مراكز الإنتاج إلى جموع المستهلكين في العالم.

والشيء الآخر الأكثر أهمية أن الارتباط بين السياسة والاقتصاد وثيق جدا، إذ أن الأزمة الحقيقية هي أزمة سياسية من الطراز الأول، وما العثرات التي أصابت الاقتصاد الأمريكي ما هي إلا بفضل السياسة الأمريكية في العالم، التي تحصد ثمرات سلوك سياسي طوال سبع سنوات ونيف من خلق الفوضى ومحاولة محمومة لتغيير خارطة العالم السياسية والعبث في التكوين الدولي والعمل على إثارة النزاعات وتأبيد الصدام، والعبث في المكونات الاجتماعية للشعوب المقهورة، والسيطرة على مقدرات العالم.

إن المظهر الآخر الذي ينبغي الالتفاف إليه أن هذا المنهج السياسي يفتقد إلى السمة الإنسانية، ويخلو من حس المسؤولية القيادية بل هو اقرب إلى التوحش والأنانية والاستحواذ البدائي، المصحوب بالبلطجة والنزوع إلى استخدام القوة المفرطة، وتسري فيه روح المغامرة المجنونة التي تتجسد في فلسفة رعاة البقر المنبثقة أصلا من أعراف المافيات ومنطقة اللصوصية العالمية الكبرى.

العالم يقف على حافة الهاوية التي أوصله إليها الاستسلام الكامل لهذا النمط من السياسات وهذا النوع من القيادات والأنظمة، وما أطلق عليه نظام عالمي جديد يجسد الفلسفة الرأسمالية التي تعملقت وسادت وأخذت فرصتها الكاملة في قيادة العالم نحو الإفلاس والفوضى وصدام الحضارات.

العالم اليوم ينتظر نظاما اقتصاديا جديدا ينبثق من فلسفة سياسية أخرى تقيم وزنا للبعد الإنساني والقيم الأخلاقية السامية وقيادة عالمية ذات رسالة إنسانية حقيقية، تعمل على إرساء مبدأ الشراكة العالمية في صياغة اقتصاد عالمي منتج يأخذ يد الشعوب الفقيرة والدول المتأخرة لإعالة نفسها واستغلال ثرواتها بعيدا عن منطق الاستعمار والتسلط والنهب والاستيلاء.

العالم بأشد الحاجة إلى نظام اقتصادي يقدس الحرية المسؤولة التي تطلق العنان للإبداع والابتكار والتجديد والتطوير، وفي الوقت نفسه يحارب منطق الاحتكار والأنانية المفرطة، ومنطق حجب المعلومة، وتحارب منهج صناعة الفقر والتخلف الذي يكرس الإبقاء على الهوة الشاسعة بين الدول القوية والضعيفة ويضمن السيطرة الأبدية على مقدرات الشعوب المقهورة.

العالم بحاجة إلى نظام اقتصادي يفرض حقا في أموال الأغنياء للفقراء يخلو من المنة ويخلو من الشروط، نظام يرى في ازدهار اقتصاد الشعوب الفقيرة والدول المتخلفة منهجا اقتصاديا حقيقيا لأنه يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد العالمي، ويرى في المنح فرصة للأخذ بيد الذين يعيشون تحت خط الفقر لينتقلوا فوقه، وليست فرصة لإبقاء اقتصاديات الدول الفقيرة تحت التبعية المطلقة ومن اجل دوام التخلف الأبدي.

العالم بحاجة إلى قيادة عالمية تتمتع بحس رسالي إيماني عالي المستوى ينظر إلى كل شعوب العالم أنهم من أصل واحد، ويتمتعون بكرامة آدمية واحدة، ويدعو إلى تعارف الشعوب وتعاون الحضارات لما فيه خدمة البشرية، وليس إلى صدام الحضارات ومنطق الإفناء والإبادة البشرية.

العالم بحاجة إلى قيادة عالمية جديدة تكرس النظام ولا تخلق الفوضى، تصون الدم الإنساني وتحترم حق الحياة لكل نفس مخلوقة، تؤمن بقوله تعالى:.

((من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا))

صدق الله العظيم.


د.رحيل غرايبة